الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

66

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله : وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ يبين ( هذا ) ، أي وأعمالهم التي يعملونها غير ذلك . ويذكرني هذا قول محمد بن بشير الخارجي في مدح عروة بن زيد الخيل : يا أيها المتمني أن يكون فتى * مثل ابن زيد لقد أخلى لك السبلا أعدد فضائل أخلاق عددن له * هل سبّ من أحد أو سب أو بخلا إن تنفق المال أو تكلف مساعيه * يشفق عليك وتفعل دون ما فعلا ولام لَهُمْ أَعْمالٌ للاختصاص . وتقديم المجرور بها على المبدأ لقصر المسند إليه على المسند ، أي لهم أعمال لا يعملون غيرها من أعمال الإيمان والخيرات . ووصف أَعْمالٌ بجملة هُمْ لَها عامِلُونَ للدلالة على أنهم مستمرون عليها لا يقلعون عنها لأنهم ضروا بها لكثرة انغماسهم فيها . وجيء بالجملة الاسمية لإفادة الدوام على تلك الأعمال وثباتهم عليها . ويجوز أن يكون تقديم لَها على عامِلُونَ لإفادة الاختصاص لقصر القلب ، أي لا يعملون غيرها من الأعمال الصالحة التي دعوا إليها . ويجوز أن يكون للرعاية على الفاصلة لأن القصر قد أفيد بتقديم المسند إليه . [ 64 - 67 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 64 إلى 67 ] حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ( 64 ) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ( 65 ) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ( 66 ) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ ( 67 ) حَتَّى ابتدائية . وقد تقدم ذكرها في سورة الأنبياء عند قوله تعالى : حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ [ الأنبياء : 96 ] . و ( حتى ) الابتدائية . يكون ما بعدها ابتداء كلام ، فليس الدال على الغاية لفظا مفردا كما هو الشأن مع ( حتى ) الجارة و ( حتى ) العاطفة ، بل هي غاية يدل عليها المقام والأكثر أن تكون في معنى التفريع . وبهذه الغاية صار الكلام تهديدا لهم بعذاب سيحل بهم يجأرون منه ولا ملجأ لهم منه . والظاهر أنه عذاب في الدنيا بقرينة قوله : وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ